صديق الحسيني القنوجي البخاري
539
فتح البيان في مقاصد القرآن
لأنه من إخوانه المسلمين المؤمنين ، والإيمان رحم بين المؤمنين ؛ ولولا إسلامه وإيمانه ما دعا له ، لأن المسلم يعتبر المسلمين إخوة ويعتبر الدعاء لهم من البر بهم ، والإسلام والإيمان من كسب العبد وسعيه وعمله ، فإذا انتفع المسلم باستجابة اللّه تعالى لدعاء مسلم من إخوانه ، كان انتفاعه بسبب إسلامه وإيمانه ، أي بسبب كسبه وعمله قبل كل شيء . واللّه تعالى جعل الدعاء للمؤمن من ثواب إيمانه ، قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 23 ، 24 ] . فلو لا صبرهم ما سلمت عليهم الملائكة ، وتسليم الملائكة دعاء بالسلامة وهو ثواب صبرهم ، وصبرهم من كسبهم وسعيهم وعملهم ، وهذا شيء من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى إقامة دليل ولا برهان ، فهو في حكم البدهيات التي لا تفتقر إلى نظر ولا استدلال . فثبت بذلك أن انتفاع المؤمن بدعاء المؤمنين ، سواء عليه ، أكانوا من ولده أم من غيرهم : إنما هو انتفاع بكسبه وسعيه وعمله لا بكسب غيره ولا بسعي سواه ولا بعمل الناس . قال ابن تيمية : ثانيها : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ، ثم لأهل الجنة في دخولها ، ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار ، وهذا انتفاع بعمل الغير . ونقول وباللّه نعتصم وبقوله الحق نتأيد : أما في الموقف فالشفاعة لا تنفع الكفار ، ولا هي بمغنية عنهم شيئا ، فهم منتقلون من كربة إلى كربات ، ومن شدة إلى شدات وحسبنا دليل على ذلك قول اللّه تعالى في سورة البقرة : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] . والآيات في معناها كثير . فكيف يقال مع هذه النصوص الصريحة : إنهم انتفعوا بشفاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أو إنهم انتفعوا بعمل غيرهم ؟ وهم أعداء اللّه وأعداء رسوله الذين حبطت أعمالهم ، وضل سعيهم ، ولا يقام لهم يوم القيامة وزن ، ولا تنالهم من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم شفاعة ولا من اللّه تعالى رحمة . وأما المؤمنون الذين آمنوا باللّه ورسوله واليوم الآخر فتكون شفاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ثوابا لإيمانهم . ولولا إيمانهم لم ينالوا هذه الشفاعة ، فهم في واقع الأمر وحقيقته قد انتفعوا بكسبهم واستفادوا بسعيهم ، وقطفوا ثمرة عملهم فكيف يقال إنهم انتفعوا بعمل غيرهم ، وما انتفاعهم بعد فضل اللّه ورحمته إلا بمحض عملهم .